وليد شايب.

أين الأسد؟

استجابة الخوف في أجسادنا صُمِّمت لخطر يأتي ويذهب في دقائق. نحن نشغّلها لأشهر.

حمار وحشي، جورج ستابس، 1763
حمار وحشي، جورج ستابس، 1763

يرى الحمار الوحشي الأسد فيركض. ثلاث دقائق من الرعب الكامل: القلب يضخّ، والعضلات تأخذ الدم كله، والهضم يتوقّف، والجسد بأكمله يعمل لشيء واحد هو النجاة. ثم ينتهي الأمر بطريقة أو بأخرى. وإن نجا، عاد إلى العشب خلال دقائق وكأن شيئاً لم يكن. لا يعيد المطاردة في رأسه في الليل، ولا يتساءل إن كان الأسد سيعود غداً، ولا يراجع ما كان عليه أن يفعله بشكل مختلف.

لم أقرأ الكتاب الذي جاء منه هذا المشهد. صادفتُ اقتباساً منه، ثم قرأتُ ملخصاً له، واكتفيتُ. عنوانه «لماذا لا يُصاب الحمار الوحشي بالقرحة؟»، وهو كتاب عن التوتر كتبه عالم أعصاب، وفكرته تُقال في جملة واحدة: استجابة الخوف في أجسادنا صُمِّمت لخطر يأتي ويذهب في دقائق، ونحن نشغّلها لأشهر.

ما لفتني في المشهد هو ما يشغّل الإنذار. الحمار الوحشي يحتاج إلى أسد حقيقي. أما أنا فيكفيني موعد تسليم بعد أسبوعين، أو حديث جرى الأسبوع الماضي وما زلتُ أعيد صياغته، أو قرار لم أتخذه بعد، أو رسالة لم يصل ردّها. الجسد يعامل الخطر الذي يركض خلفك والفكرة التي تركض في رأسك بالطريقة نفسها. والفكرة، على خلاف الأسد، تتعب متأخرة جداً ولا تنصرف. الاستجابة التي تنقذ حياتك في ثلاث دقائق هي نفسها التي تستهلكك في ثلاثة أشهر.

الحمار الوحشي يُصاب بالقرحة أحياناً!

لإنصاف الحقيقة، قد تكون صورة الحمار الوحشي الخالي من الهموم مثالية بعض الشيء. فمؤلف الكتاب نفسه أمضى ثلاثين صيفاً في مراقبة قردة البابون، واكتشف أن القردة التي تقبع في أسفل السلم الاجتماعي تعيش حالة توتر دائم تدفع أجسادها ثمنه غالياً. والأمر ذاته ينطبق علينا نحن البشر؛ إذ تُظهر الدراسات أن الموظفين الذين يفتقدون السيطرة على عملهم يمرضون أكثر، حتى لو تساووا مع زملائهم في الراتب والرعاية الصحية. إذن، التوتر المزمن موجود في الطبيعة متى ما كان التهديد مستمراً لا يتوقف.

لكن هذا الاستثناء يزيد الفكرة وضوحاً؛ فهناك فرق شاسع بين الخطر العابر، والخطر الذي يقيم معك. الأسد الذي يطارد الحمار الوحشي، أو التهديد الذي يواجه قرد البابون، هو خطر "حقيقي" وموجود فعلاً. أما أغلب "الأسود" التي أفتح لها أبواب عقلي لتسكن معي، فهي أسود وهمية لم تصل بعد، وكثير منها لن يأتي أبداً.

ما أراه من موقعي

قضيتُ أحد عشر عاماً في بناء شركات بين حلب ودمشق وبيروت ومسقط وإسطنبول، وانتهت مهمة بعضها وأُغلقت. جاءت أسود حقيقية في هذه السنوات: حرب، وانهيار عملة، وشريك انسحب، وعميل توقّف عن الدفع. أغلبها جاء مفاجئاً، ومرّ، وأنا ما زلتُ هنا. أما الأسود التي أعددتُ لها الليالي الطويلة، وصغتُ لها الردود ورسمتُ لها السيناريوهات، فأغلبها بقي في مكانه. وحين أنظر إلى الوراء أجد أن ما استهلكني في تلك السنوات كان قليل الصلة بما حدث فعلاً.

الخيال هو المسرح الذي تدور فيه أشرس معاركنا، ولذلك قيل قديماً: «نتألم في الخيال أكثر مما نتألم في الواقع». ورغم وعيي التام بهذه الحقيقة، ظلت الكلمات عاجزة عن إيقاف نوبات الهلع الخفية، حتى جاء مشهد الحمار الوحشي ليروض هذا الخيال. بفضله، كلما انتفضتُ من نومي في الثالثة صباحاً على وقع فكرة مقلقة، أوقف هذا الركض الوهمي في رأسي، وأتلفت حولي لأسأل نفسي: أين الأسد؟

للاستزادة

  • Robert M. Sapolsky, Why Zebras Don't Get Ulcers, 3rd edition, Henry Holt, 2004
  • Michael Marmot et al., "Contribution of job control and other risk factors to social variations in coronary heart disease incidence", The Lancet, vol. 350, 1997
  • Seneca, Letters to Lucilius, letter 13