وداعاً للذكاء.. ما يتبقى لنا هو الشخصية
علامات الذكاء القديمة صارت مجانية. ما يبقى للإنسان هو الإرادة والمسؤولية والذوق.

قبل الذكاء الاصطناعي كان للذكاء تعريف عملي واضح، حتى لو اختلف العلماء على صياغته. كنا نسمّي الشخص ذكياً حين يحفظ كثيراً ويسترجع بسرعة، ويفهم من نصف شرح، ويربط بين أشياء متباعدة، ويجيب تحت الضغط بلا وقت للبحث. وبنت المدارس والشركات اختباراتها على هذه العلامات منذ أوائل القرن العشرين.
كانت هذه العلامات صادقة لسبب واحد: كانت غالية. الذاكرة والسرعة والطلاقة والمهارة التقنية تحتاج سنوات ليكتسبها الإنسان، فمن امتلكها فقد أثبت أنه بذل الجهد وأن عقله يعمل.
ما الذي انكسر؟
الذكاء الاصطناعي جعل هذه العلامات مجانية. فهو يحفظ أكثر من أي إنسان، ويجيب أسرع، ويكتب بطلاقة، ويبرمج اليوم بمستوى يتجاوز أغلب المبرمجين. أن نصف شخصاً بالذكاء لأنه يعرف كثيراً أو يبرمج بسرعة صار كأن نصف رجلاً بالسرعة لأنه وصل قبل الجميع وهو في سيارة. القياس فقد معناه.
ولذلك يسأل كثيرون اليوم عن تعريف جديد للذكاء. وأظن أن السؤال الأدق هو: حين تصبح القدرة (Capability) مجانية، ما الذي يبقى للإنسان؟
ثلاثة أشياء تبقى
الإجابة برأيي ثلاثة أشياء، ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوم بأيٍّ منها نيابةً عنك:
- الإرادة: أن تعرف ماذا تريد. الذكاء الاصطناعي يجيب عن أي سؤال، لكنه لا يختار السؤال. اختيار السؤال، ورفض التسعة والتسعين سؤالاً الأخرى التي كانت متاحة، هو الفعل النادر الآن. قد يقترح عليك الذكاء الاصطناعي أهدافاً أفضل مما تفكر فيه، لكنها تبقى اقتراحات حتى يتبنّاها شخص يخسر شيئاً إذا فشلت. عندها فقط تصير قراراً له وزن وثمن.
- المسؤولية: أن تقف خلف القرار. الذكاء الاصطناعي لا يدفع ثمن الخطأ. الشخص الذي يوقّع على القرار ويدفع ثمنه ويعدّل حين يخالفه الواقع يفعل شيئاً لا تعوّضه أي قدرة. الإجابة صارت رخيصة، والوقوف خلفها هو الغالي.
- الذوق: أن تميّز الجيد من المقنع ظاهرياً. حين تصير الإجابات مجانية وبلا حدود، تنتقل المهارة إلى تمييز الإجابة الصحيحة من الإجابة المقنعة ظاهرياً، والإجابة التي تكفي من الإجابة التي تبدو منطقية لكنها خاطئة. كنا نقدّر من يُنتج أكثر. واليوم صرنا نحتاج من يرفض أكثر، لأن الإنتاج لم يعد مشكلة.
ماذا لو وصل الذكاء الاصطناعي العام (AGI)؟
الاعتراض الجاهز: الذكاء الاصطناعي العام، الذي يتفوق علينا في كل شيء، قادم قريباً، وعندها تسقط الثلاثة. أرى أن اثنين منها يصمدان لأنهما يمثلان دوراً يتحمله الإنسان، وليس مجرد مهارة يمتلكها. الإرادة والمسؤولية تعنيان أن هناك من يخسر إذا أخطأ القرار. إذا أدار الذكاء الاصطناعي شركتك بالكامل، فهو يفعل ذلك نيابة عنك، لكن الاسم والمال والسمعة تبقى لك. الذكاء العام يأخذ منك التنفيذ ويترك لك الاختيار، وعندها يصبح الاختيار عملك الوحيد، وهو أصعب ما فيه.
أما الذوق فسيمتصّ الذكاء الاصطناعي جزءاً منه، لأن الذكاء الاصطناعي العام سيميّز إجاباته الجيدة بنفسه. لكن الذوق في النهاية تفضيل، والتفضيل ملك لمن يُنجَز العمل من أجله. الذكاء الاصطناعي يقدّم لك أفضل خمس طرق لإدارة شركتك، وأنت وحدك تعرف أي حياة تريد، لأن هذا سؤال بلا إجابة صحيحة.
ولنفترض أن أسرع التوقّعات صحيحة وأن القدرة كلها صارت عند الآلة. عندها يتوقّف «الذكاء» عن كونه كلمة مفيدة لترتيب البشر، كما توقّفت «القوة» بعد المحرّك. لم يُنقص ذلك من أحد. صارت القوة هواية ومقياساً للصحة، وتوقّفت عن كونها مكانة. وسيسلك الذكاء الطريق نفسه: صفة شخصية يستمتع بها صاحبها. وحين يتوقّف الذكاء عن الفصل بين الناس، فما الذي يحدّد من يقود؟ المعايير ذاتها: من يعرف ماذا يريد، ومن يقف خلف النتيجة، ومن يمتلك الذوق لتوجيهها. فالثلاثة تصمد حتى في أقصى الاحتمالات، غير أنها تفقد اسمها القديم: كنا نسمّيها ذكاءً، وسنسمّيها شخصية.
ما أراه من موقعي
حين بدأتُ عملي كان الفارق بين شركة وأخرى واضحاً: من يعرف أكثر، ومن ينفّذ أسرع. اليوم صار التنفيذ متاحاً للجميع بالجودة نفسها تقريباً: الكود يُكتب، والخطة تُصاغ، والمرجع يُوجد في دقائق. وانتقل التنافس إلى حافتي العمل. قبل التنفيذ: من يقرّر ما الذي يُبنى أصلاً. وبعده: من يلاحظ أن النتيجة خاطئة رغم أنها تبدو صحيحة. من يعمل على هاتين الحافتين يبدو اليوم أذكى من أي وقت مضى، ومن كانت قيمته كلها في المنتصف يبدو فجأة عادياً.
التعريف الذي أعمل به: الشخص الذكي هو من يسأل السؤال الذي يستحق السؤال، ويميّز الإجابة الجيدة من الإجابة المقنعة ظاهرياً، ويتحمّل مسؤولية العمل بها. التعريف القديم كان يحوي جزءاً من هذا تحت عنوان «التكيّف مع المواقف الجديدة»، مدفوناً تحت بنود الذاكرة والسرعة. الذكاء الاصطناعي ببساطة أزاح الغبار عن هذا المعنى.