ما بعد التحرير: كيف تولد الأوطان مرتين؟ قصة الرؤية وراء “ورك لينك”

أذكر تماماً تلك الساعات الأولى التي تلت تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد. وسط طوفان المشاعر، ودموع الفرح، وهتافات الحناجر التي تنفست الحرية أخيراً بعد عقود من الاختناق، كان هناك صمت غريب ومهيب يعمّ عقلي.

في تلك اللحظة التاريخية، بينما كان الجميع ينظرون إلى الماضي الذي انتهى، وجدت نفسي أنظر إلى المستقبل الذي بدأ للتو. لقد انتهت معركة البقاء، وبدأت المعركة الأكبر: معركة البناء.

حين تنقشع غيمة الدخان عن بلد مدمر، يظن الكثيرون أن إعادة الإعمار تبدأ بالأسمنت والحديد، لكنني كنت مؤمناً إيماناً يقيناً أن الإعمار الحقيقي يبدأ بـ “البنية التحتية”.. ولست أقصد هنا الجسور والطرقات فحسب، بل البنية التحتية للبشر، والبنية التحتية للبيانات.

من رحم تلك اللحظة، تشكلت الرؤية التي أصبحت اليوم هوسي المهني والشخصي.

هندسة رأس المال البشري

السؤال الذي كان يطاردني يوم التحرير هو: كيف سنعيد بناء هذا البلد إذا كانت الكفاءات السورية مشتتة، والشركات ضائعة، والمنظمات الدولية التي ستتوافد لا تملك بوصلة للوصول إلى المواهب الحقيقية؟

لم نكن نحتاج إلى مجرد “موقع للوظائف”، بل كنا بحاجة إلى “نظام تشغيل” (Operating System) لسوق العمل السوري. هكذا وُلدت رؤية (WorkLink).

لم تكن الطموحات مجرد ربط سيرة ذاتية بشاغر وظيفي، بل كانت الرؤية خلق نظام بيئي رقمي متكامل (Ecosystem). منصة تنظم الفوضى، تشبك الطاقات الشابة مع المنظمات الدولية (UN & INGOs) والقطاع الخاص، وتدير قطاع المناقصات لتكون عملية إعادة الإعمار شفافة ومبنية على الكفاءة لا المحسوبيات.

أردت لـ “ورك لينك” أن تكون البوصلة التي تخبرنا: أين تتركز المهارات؟ ما هي القطاعات التي تنمو؟ وماذا يحتاج السوق غداً؟ لتكون باختصار: البنية التحتية الرقمية لإعادة إعمار الإنسان السوري.

الاستقلالية التقنية المتكاملة

بالطبع، بناء منصة بحجم وأهمية “ورك لينك” كان يتطلب بنية تحتية سحابية (Cloud Infrastructure) قوية ومستقلة، وهو الهاجس الذي قادني بالتوازي لتأسيس (LevantHost) لاحقاً، لضمان استضافة آمنة ومستقرة لمشاريعنا وللشركات السورية الناشئة. فالاقتصاد الرقمي لا ينهض إلا على أرضية تقنية صلبة. (سأتحدث عن قصة LevantHost بتفصيل أكبر في مقال قادم).

خطوة نحو اقتصاد جديد

اليوم، عندما أنظر إلى ما حققناه في “ورك لينك” خلال فترة قياسية، من تنظيم لآلاف الفرص، وربط للكفاءات بجهات العمل، وتوفير بيانات حية لصناع القرار، أدرك أن الفكرة التي راودتني يوم التحرير أصبحت واقعاً ينمو ويتنفس.

نحن لم نعد نبحث عن فرص في هذا العالم، بل أصبحنا، بفضل الله، نصنع الفرص، ونبني المنصات التي ستحمل سوريا نحو مستقبلها الرقمي وتواكب طموحات جيل كامل متعطش للعمل والإنجاز.

طريقنا طويل، والتحديات في سوريا ما بعد الحرب ليست سهلة، لكن الطموح لا يعرف التراجع.

هذه ليست مجرد أعمال تجارية.. هذه حصتنا من إعادة بناء الوطن.

مهتم في إنجاز أمور استثنائية في مجال التكنولوجيا وأعمل جاهداً لترك أثر إيجابي في الحياة

‎أضف رد

I don't publish guest or sponsored posts on this site. But thanks anyway. :)

:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع